محمد بن جرير الطبري ( الشيعي )

45

نوادر المعجزات

فلما فرغ عليه السلام من الاحكام ، نهض إليه الغلام . وقال : يا أبا تراب أنا إليك رسول ، فصف لي ( 1 ) سمعك ، واخل إلي ذهنك وانظر إلى ما خلفك وإلى ما بين يديك ، فقد جئتك برسالة تتزعزع لها الجبال ، من رجل حفظ كتاب الله من أوله إلى آخره ، وعلم علم القضايا والاحكام ، وهو أبلغ منك في الكلام ، وأحق منك بهذا المقام ، فاستعد للجواب ، ولا تزخرف المقال . فلاح الغضب في وجه أمير المؤمنين عليه السلام وقال لعمار : إركب جملك وطف في قبائل الكوفة ، وقل لهم : أجيبوا عليا ، ليعرفوا الحق من الباطل ، والحلال من الحرام ، والصحة من السقم . [ قال ميثم : ] فركب عمار [ وخرج ] فما كان إلا هنيئة حتى رأيت العرب كما قال الله تعالى : ( إن كانت إلا صيحة واحدة فإذا هم جميع لدينا محضرون ) ( 2 ) فضاق جامع الكوفة بهم ، وتكاثف الناس كتكاثف الجراد على الزرع الغض في أوانه فنهض العالم الأورع ، والبطين الأنزع صلوات الله عليه ، ورقى من المنبر مراق ( 3 ) ثم تنحنح ، فسكت الناس ، فقال : رحم الله من سمع فوعى ، أيها الناس إن معاوية يزعم أنه أمير المؤمنين ، وأن لا يكون الامام إماما حتى يحيي الموتى ، أو ينزل من السماء مطرا ، أو يأتي بما يشاء كل ذلك مما يعجز عنه غيره ، وفيكم من يعلم أني الآية الباقية ، والكلمة التامة والحجة البالغة ، ولقد أرسل إلي معاوية اهلا من جاهلية العرب ، ففسح في كلامه وعجرف ( 4 ) في مقاله ، وأنتم تعلمون أني لو شئت لطحنت عظامه طحنا ، ونسفت الأرض من تحته نسفا ، وخسفتها عليه خسفا ، إلا أن احتمال الجاهل صدقة [ عليه ] .

--> 1 ) " الان " ط . 2 ) يس : 53 . وفى ط هكذا " ان كانت الا صيحة فإذا هم من الأجداث إلى ربهم ينسلون " تصحيف . 3 ) مراق : درجات . 4 ) العجرفة : التكبر ، الجفوة في الكلام .